حوّلت حرب إيران خريطة الملاحة في المنطقة إلى سلاح، إذ يضيف كل يوم جديد من التوتر حول مضيق هرمز، وكل اشتباك قرب باب المندب، وكل سفينة تُعاد توجيهها حول رأس الرجاء الصالح بدلاً من قناة السويس، عبئاً إضافياً على تكاليف الوقود وأسعار الغذاء وأسعار الصرف.
ويقول شادي إبراهيم، الباحث المشارك في مركز الإسلام والشؤون العالمية بجامعة إسطنبول صباح الدين زعيم، في تحليل نشره موقع ميدل إيست آي، إن الاضطرابات البحرية ليست سوى جزء من الصورة، إذ تواجه باكستان وتركيا ومصر ضغوطاً متزامنة على حدودها البرية، مع الهند واليونان وإسرائيل على التوالي، فيما تضيف حالة عدم الاستقرار في السودان وليبيا طبقة أخرى من المخاطر.
وتبرز المفارقة في أن إيران نفسها تشترك في حدود مع تركيا وباكستان. ومع ذلك، ورغم عدم دخول أي من الدول الثلاث طرفاً مباشراً في الحرب على إيران، تخوض الدول الثلاث ضغوطاً على جبهتين في الوقت نفسه: جبهة اقتصادية في البحر، وأخرى أمنية على الأرض.
وتبدو المعادلة واضحة؛ إذ ترفع شركات التأمين تقديرات المخاطر على ناقلات النفط التي تمر قرب مضيق هرمز، حيث تحتفظ إيران بنفوذ كبير على حركة العبور. كما تحسب شركات الشحن مخاطر باب المندب، بعدما عززت قوات الحوثيين وجودها في ذباب، ما شدد قبضتها على المضيق. وفي الوقت نفسه، انهارت إيرادات قناة السويس، التي تشكل أحد أهم مصادر العملة الأجنبية في مصر، بأكثر من 60 في المئة.
باكستان بين إيران والهند وأفغانستان
لم تكن أي من هذه الدول بحاجة إلى حرب جديدة كي تتلقى ضربة اقتصادية. فقد بلغ التضخم في باكستان مستوى قياسياً عند 38 في المئة عام 2023، بينما لم تكن الاحتياطيات الأجنبية تكفي لتغطية واردات سوى أسبوعين. وتراجع الجنيه المصري آنذاك من نحو 30 جنيهاً للدولار إلى قرابة 50 جنيهاً، فيما تجاوز التضخم في تركيا 85 في المئة أواخر عام 2022.
وأعادت الحرب فتح جروح اقتصادية بالكاد بدأت في الالتئام، في وقت تراقب فيه كل دولة حدودها ومحيطها الأمني عن كثب.
تشترك باكستان مع إيران في حدود تمتد لنحو 900 كيلومتر، وقد أمضت إسلام آباد جزءاً كبيراً من فترة الحرب في إدانة الضربات التي نفذتها مختلف الأطراف والسعي إلى التوسط لوقف إطلاق النار، بالتزامن مع خوضها نزاعاً حدودياً نشطاً مع أفغانستان وإدارتها تداعيات التصعيد القصير الذي شهدته مع الهند العام الماضي.
وبعدما تراجع التضخم إلى خانة الآحاد مطلع عام 2026، ارتفع مجدداً إلى 7 في المئة في فبراير، قبل أن يتجاوز 11 في المئة في أغسطس مع ارتفاع أسعار النفط. وتعافت الاحتياطيات إلى 22.5 مليار دولار، لكن استقرار الروبية عند نحو 277 روبية للدولار لا يزال هشاً في ظل اتساع فجوة الحساب الجاري.
وتتعامل باكستان مع ثلاث جبهات حدودية، إذ لا يزال مجلس العلاقات الخارجية الأميركي يصنف احتمال اندلاع مواجهة أخرى بين الهند وباكستان باعتباره خطراً قائماً، عقب تبادل الضربات الذي استمر أربعة أيام العام الماضي. وفي الوقت نفسه، يستمر النزاع مع أفغانستان على طول خط دوراند، بينما تواصل إسلام آباد لعب دور الوسيط في الحرب المرتبطة بإيران.
وأصبحت باكستان مكشوفة بدرجة كبيرة أمام الغرب بحيث يصعب عليها الانفصال اقتصادياً عن تداعيات الحرب، لكنها في الوقت ذاته معرضة بدرجة كبيرة للضغوط القادمة من الشرق والشمال، ما يجعل أمنها الإقليمي بعيداً عن الاستقرار الكامل.
تركيا تواجه ضغوط الطاقة والتجارة والتوتر مع اليونان
تتركز تداعيات الحرب على تركيا في قطاعي الطاقة والتجارة. فقد أمضت أنقرة سنوات في ترسيخ موقعها بوصفها جسراً لوجستياً يربط أوروبا والخليج وآسيا، وهي استراتيجية تعتمد بدرجة كبيرة على بقاء الممرات البحرية مفتوحة.
وتراجع التضخم من 85 في المئة إلى نحو 30 في المئة مطلع عام 2026، لكنه بدأ في الارتفاع مجدداً مع تصاعد أسعار الطاقة والغذاء. وتشير مجموعة ING إلى أن كل ارتفاع قدره 10 دولارات في سعر خام برنت يضيف ما بين 4 و5 مليارات دولار إلى فجوة الحساب الجاري، التي تقترب من 45 مليار دولار. كما تجاوزت تكلفة التأمين على الديون التركية 300 نقطة أساس، وهو أعلى مستوى لها خلال تسعة أشهر.
وتتزامن طموحات أنقرة في بناء جسر لوجستي إقليمي مع تصاعد الخلاف مع اليونان. وأعاد مسؤولون أتراك خلال العام الجاري التأكيد على عقيدة «الوطن الأزرق»، التي تستهدف الحفاظ على الحدود البحرية لتركيا، وحذروا أثينا من التحركات التي وصفوها بأنها «متهورة».
وزادت العلاقات المتنامية بين اليونان وإسرائيل من حدة الخطاب، بعدما وصف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان انتشار القوات اليونانية في جزر بحر إيجه بأنه تهديد، وسط عودة إلى خطاب متشدد لم تشهده العلاقات بين البلدين بهذا المستوى منذ إعلان أثينا عام 2023.
مصر في قلب أزمة السويس وسيناء والسودان
تبدو تداعيات الحرب على مصر الأكثر مباشرة بحكم موقعها الجغرافي. فقد بلغت إيرادات قناة السويس 9.4 مليارات دولار في آخر عام كامل قبل بدء هجمات الحوثيين، لكنها تراجعت إلى أقل من 4.7 مليارات دولار في أحدث سنة مالية.
وارتفع التضخم مجدداً إلى نحو 15 في المئة هذا الصيف، بعدما نجحت القاهرة في خفضه من ذروة بلغت 38 في المئة عام 2023. وجاء ذلك بالتزامن مع رفع أسعار الوقود بنسبة تراوحت بين 14 و17 في المئة خلال مارس، إلى جانب فرض قيود على أسعار الخبز.
ولا تقتصر الضغوط على قناة السويس. فعلى الجبهة الشرقية، تصاعدت خلال الأشهر الماضية التوترات مع إسرائيل بشأن وضع شبه جزيرة سيناء منزوعة السلاح. ووفقاً لتقييمات إسرائيلية، ينتشر نحو 40 ألف جندي مصري بصورة دائمة في سيناء، وهو عدد يتجاوز المستويات المنصوص عليها في معاهدة السلام الموقعة عام 1979، رغم أن أي زيادات في القوات تُنسق مع واشنطن وتتطلب موافقة إسرائيلية.
ومع تراجع سيناريو النزوح الجماعي من قطاع غزة إلى سيناء، لا يزال الاحتمال حاضراً في أذهان بعض المسؤولين الإسرائيليين. فقد تحدث وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش عن إنشاء «إدارة للهجرة»، بينما طرح وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير خطة تمتد سبع سنوات وتستهدف مغادرة 1.86 مليون شخص.
ولا تبدو الصورة أكثر هدوءاً جنوباً وغرباً. فقد تحولت الحرب الأهلية في السودان، وفق أحد التقييمات، إلى «خط صدع في شمال شرق أفريقيا»، بما يهدد بورتسودان وممر البحر الأحمر الأوسع، في وقت تتعرض فيه قناة السويس نفسها لضغوط بسبب اضطرابات الملاحة في المنطقة.
وتزيد حالة الانقسام في ليبيا من حدة هذا الحزام المضطرب. وتتعرض مصر وليبيا بصورة خاصة لتداعيات ارتفاع تكاليف الطاقة، التي تنتقل سريعاً إلى الضغوط الاجتماعية. كما تؤثر حالة عدم الاستقرار في السودان والصومال في حسابات القاهرة، بالتزامن مع دفاعها عن مصالحها المرتبطة بسد النهضة الإثيوبي.
ويكشف المشهد في مجمله عن نمط واحد، وليس عن ثلاث أزمات منفصلة. فعدم الاستقرار في هرمز وباب المندب والسويس يصل في النهاية إلى أسرة باكستانية تضطر إلى المفاضلة بين الوقود والغذاء، ومصدر تركي يعيد حساب زمن الشحن، ووزارة مصرية تراقب عملة لا تستطيع الدفاع عنها إلى ما لا نهاية.
وتجد كل دولة نفسها أمام صدمات خارجية في وقت تواجه فيه ضغوطاً على حدودها. فتتعرض باكستان لضغوط بين الهند وأفغانستان، بينما تتوسط بشأن إيران؛ وتصعّد تركيا خلافها مع حليف في حلف شمال الأطلسي بشأن مياه بحر إيجه، في الوقت الذي تسوق فيه نفسها بوصفها ممراً مستقراً للطاقة؛ بينما تجد مصر نفسها محاصرة بين حدود سيناء المتوترة وجوار جنوبي يتفكك.
ولا يكمن الخطر الأكبر في ارتفاع واحد لأسعار السلع، أو اضطراب شحنة بعينها، أو مناوشة حدودية منفردة، وإنما في تراكم الضغوط الاقتصادية والأمنية في الوقت نفسه داخل دول كانت تعاني أصلاً من ضيق هامش المناورة قبل اندلاع الحرب.
وتستطيع الحكومات التي تمتلك احتياطيات مالية أكبر امتصاص جزء من هذه الصدمات. أما حين تضيق قدرة الدول على التحمل، فتنتقل التكلفة إلى الفئات الأدنى دخلاً، حيث تتأخر أجور العمال عن مواكبة ارتفاع الأسعار، وتتراجع تحويلات المهاجرين، وتتحمل المجتمعات التي تعيش قرب الحدود المتوترة جانباً من تبعات الأزمة.
https://www.middleeasteye.net/opinion/how-iran-war-squeezing-pakistan-turkey-egypt-every-direction

